الشيخ محمد رشيد رضا
346
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يسمون مسلمين يدعون غير اللّه تعالى حتى في حال الشدة والضيق التي كان مشركو العرب يخلصون فيها الدعاء للّه تعالى ، ولكنهم لا يسمون هذا شركا كما كان يسميه المشركون ، بل توسلا أو استشفاعا أو وساطة وقوله تعالى هنا « أنظر » من النظر العقلي ؛ وكذب الكفار في الآخرة ثابت بمثل قوله تعالى ( 58 : 19 يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ) قال الزجاج : تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه الا من وقف على معاني كلام العرب ، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه ، فذكر أن عاقبة كفرهم - الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا - لم تكن الا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به . ومثاله أن ترى انسانا يحب شخصا مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه ، فيقال له : ما كانت محبتك - أي عاقبة محبتك - لفلان الا أن تبرأت منه وتركته . فعلى هذا تكون فتنتهم هي شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس ، ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة . * * * ( 25 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ * * * كان المشركون أصنافا متفاوتين في الفهم والعقل وفي الكفر وأسبابه ، وقد بين اللّه أحوال كل فريق منهم في كتابه فمنهم أصحاب الذكاء واللوذعية الذين كانوا يسمعون هذا القرآن ويعقلون أنه لا يمكن أن يكون من كلام محمد ( ص ) ولا هو بالذي